فخر الدين الرازي

40

المطالب العالية من العلم الإلهي

يوجب السعادة الأبدية والسيادة السرمدية . فوجب أن يكون هذا العلم رأس جميع العلوم ورئيسها ، وأشرف أقسامها وأجلها . والوجه الثالث في بيان شرف هذا العلم : إن الانسان الكامل يجد من نفسه أنه كلما كان استغراق « 1 » روحه في هذه المعارف أكمل ، وكان خوضه فيها أعظم ، وانجذابه إليها أتم ، وانقطاعه عما سواها أوفى ، كان ابتهاجه بذاته أفضل ، وقوة روحه أكمل ، وفرحه بذاته أوفى . وكلما كان الأمر بالعكس كانت الأحوال الروحانية والآثار النفسانية ( بالعكس ) « 2 » مما ذكرناه . وكل ذلك يدل على أن كل السعادات مربوطة بهذه العلة وكل الكمالات والخيرات طالعة من هذا الأفق . كما قال في الكتاب الإلهي : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ « 3 » . والوجه الرابع : إن المصالح المعتبرة إما مصالح المعاش ، أو مصالح المعاد أما مصالح المعاش فلا تنتظم إلا بمعرفة المبدأ والمعاد وذلك لأنه لولا استقرار الشرائع الحقة لزال النظام ، واختلت المصالح وحصل الهرج ولم يأمن أحد على روحه ومحبوبه ، وأما مصالح المعاد فلا يتم شيء منها إلا بمعرفة اللّه تعالى وبمعرفة ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وذلك لا يحصل إلا بهذا العلم . فظهر بهذه المباحث التي قررناها : أن مبدأ الخيرات ومطلع السعادات ، ومنبع الكرامات ، هو هذا العلم . فمن أحاط به على ما ينبغي كان في آخر مراتب الإنسانية ، وأول مراتب الملكية .

--> ( 1 ) استغراقه في هذه المعارف ( س ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) الرعد 28 .